مدخل

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، فاللهم صل عليه وعلى آله وصحابته الكرام، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الجزاء والدين، وبعد:

فإن من المسلم به أن لكل مجتمع خلفيته الفكرية والاجتماعية والثقافية والدينية التي لا تنفك عن سيرورته التاريخية في مختلف مراحل تطوره، فهي ملاحظة فيه وتطبع سمات فلسفته واختياراته وتوجهاته التي تنظم مؤسساته على كافة المستويات اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وتربويا…

والمجتمع المغربي كغيره من المجتمعات ينطلق من خلفيته التاريخية ومرجعيته الثقافية والفكرية المتمثلة في القيم الدينية والتقاليد والأعراف الاجتماعية في كل توجهاته التنظيمية التي لا بد وأن تعكس فلسفته التاريخية والحضارية والفكرية.

وقطاع التربية والتعليم باعتباره قطاعا حيويا يتوقف تحقق أهدافه التنموية على مدى نجاعة السياسة العليا للبلاد في تدبير مدخلاته وعملياته ومخرجاته.

وبالتالي فإن فلسفة النظام التربوي المغربي تنبثق من الهوية المغربية ذات المرجعية الدينية المتمثلة في الإسلام والتي تراهن على تنشئة مواطن صالح لنفسه ومجتمعه ووطنه ومتشبعا بالقيم الإسلامية السمحة ومحافظا على الطابع الخصوصي للهوية المغربية في نمط العيش والتدين.

من هنا نستطيع استجلاء العلاقة بين مادة التربية الإسلامية وغايات وأهداف التربية على القيم في النظام التربوي المغربي، ولتقريب وتوضيح العلاقة أكثر يمكن القول أن النظام التربوي الإسلامي ووفقا لأصوله المنطلقة من القرآن الكريم والسنة النبوية ينظر إلى التربية والتعليم بتلازم يجعلهما وجهان لعملة واحدة ويتجلى ذلك في “القراءة” و”الرب” الواردتين في اول آية نزلت من الذكر الحكيم {اقرأ بسم ربك الذي خلق}1فالتربية الإسلامية بفلسفتها وأهدافها تتميز بسمات وقواعد حددت وفق نظرتها الكلية عن الكون والحياة، وفي ما يخص جوانب التربية المباشرة للفرد فقد غطت بشمول وتوازن كل جوانب النمـو عنده، عقله، جسمه وروحه، وحياته المادية والمعنوية، كما غطت كل جوانب المعرفة من علوم شرعية وكونية باتساق واضـــــح منطلق من فلسفة إيمانية حددت لكل نوع من المعرفة أهدافه التي تسعى إلى تلبية حاجة الفرد الروحية والمادية والاجتماعية.

من هنا يظهر أن مادة التربية الإسلامية هي مادة القيم بامتياز ليس هذا فحسب بل هي حاملة لمختلف سلوكيات الفرد وتصوراته لكن المتأمل في واقع التربية اليوم في البلدان الإسلامية يقصر التربية الإسلامية على تحفيظ واستظهار وفقه لبعض الآيات والاحاديث النبوية والسيرة وبعض التراجم وما إلى ذلك…، وهذا لا شك قاصر عن مفهوم التربية الإسلامية، وننبه في هذا المقام إلى قضية مهمة وهي ان محتوى هذه المادة اليوم لا يعكس هذه الصورة العملية الكلية كما حددنا في التعريف، وإنما يتجه أكثر إلى التركيز على الجانب المعرفي المرتبط بالعلوم الشرعية وتدريسها بأسلوب نظري عام يكاد يخلو من الجانب التطبيقي العملي المرتبط بسلوك المتعلم اليومي مما يجعل محتوى المادة قاصرا عن أداء رسالتها الكبرى في ترسيخ القيم الإسلامية التطبيقية العملية خاصة مراحل التعليم الأساسي الذي يحتاج فيه المتعلم إلى تنمية الكفايات الوجدانية والسلوكية أكثر من حاجته إلى المعطيات المعرفية.

وبالتالي ينبغي إعادة النظر في ربط القيم بمحتوى المادة حتى تحتفظ بدورها الريادي كمادة حاملة للقيم الإسلامية مباشرة وذلك لا يتم إلا باعتماد المقاربات التربوية والبيداغوجية والديداكتيكية لمواءمة المادة مع كل المستويات والأسلاك التعليمية، وذلك من خلال النظر لهذه القيم من زاويتين:

الزاوية الأولى: أن ننظر إلى القيم الإسلامية كمرتكزات تقوم عليها الحياة كما حددها الوحي في علاقة الانسان بنفسه ومحيطه وخالقه، فهي قيم إنسانية من حيث كونها مطلقة، وإسلامية من حيث كونها موجهة بالتشريع الإسلامي الضامن لوجودها.

الزاوية الثانية: ويقصد بها النظر إلى كيفية إدماج هذه القيم في المقررات الدراسية من حيث اختيار الملائم منها وطرق هذا الإدماج ووسائله، والأنشطة المصاحبة لاكتساب تفاعل وجداني وعاطفي مع هذه القيم وتحويل ذلك إلى كفايات مؤثرة في السلوك ومؤطرة بالتصورات والمفاهيم المستقبلية التي تتكون لدى المتعلم وفي هذا المضمار ينبغي التركيز على أهم أحد طرفي العملية التعليمية التعلمية إضافة إلى المحتوى وهما المدرس والمتمدرس.

من هنا يحق لنا أن نتساءل عن المقاربات السيكوبيداغوجية والديداكتيكية التي ينبغي اعتمادها ومراعاتها لتفعيل القيم من خلال مادة التربية الإسلامية.

هوامش

1سورة العلق، الآية: 1

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons