المطلب الثاني: المقاربات السوسيوتربوية والتنشئوية

لقد اهتم علماء الاجتماع كثيرا بدراسة القيم، حيث أولو هذا الموضوع جل اهتماماتهم مؤخرا، لما رأوه من دور هام لتأثيرها على المستويات الإنسانية أفرادا وجماعات وارتباطها كذلك بالسلوك الإنساني وباعتبارها عنصرا رئيسيا في تشكيل ثقافة أي مجتمع ومرتكز رئيسي تقوم عليه عملية التفاعل الاجتماعي كما أنها تعد جانبا مهما من جوانب الحياة الاجتماعية داخل أي مجتمع ومفتاح فهم الثقافة الإنسانية، لذلك نجد أن من أبرز المواضيع التي يهتم بها  علم الاجتماع التربوي إيصال القيم الاجتماعية والثقافية والتربوية والدينية والوطنية إلى الطفل بواسطة المنظومة التعليمية، فقد تعددت الآراء والنظريات السوسيولوجية التي تطرقت لهذا الموضوع.

ومع تعدد التعريفات والنظريات حول القيم عند علماء الاجتماع تعددت الاختلافات في الآراء حسب الإتجاهات الفكرية وحسب المدارس والأسس التي تقوم عليها، إلا أنها تتفق كلها على أن القيم ركيزة أساسية للتعبير عن التركيب الاجتماعي لأي مجتمع من المجتمعات.

كما يعتبر علماء الاجتماع القيم أنها عبارة عن مستوى أو معيار للانتقاء من بين بدائل أو ممكنات اجتماعية أمام الشخص الاجتماعي في الموقف الاجتماعي كما تتسم بالدينامية والاستمرار فضلا عن التفاعل بين الفرد والواقع الاجتماعي المنيط به وتفصح هذه القيم عن نفسها من خلال التفضيل والاختيار بين البدائل المتاحة وتتحدد في اهتمامات الأفراد واتجاهاتهم وأنماطهم السلوكية.

فعرفها كلوكهون بأن القيم مستوى أو معيار للانتقاء من بين بدائل وممكنات في المواقف الإجتماعية، حيث إن القيم تختلف باختلاف الظروف التاريخية والاجتماعية أي باختلاف المرحلة التي يمر بها المجتمع رأسمالية كانت او اشتراكية

ومنهم من يصف القيمة بأنها غاية أو هدف اجتماعي يسعى الفرد إلى تحقيقه داخل المجتمع بشكل يكون تحصيله مرغوبا فيه، حيث يعتبرها كمال التابعي محددا هاما من محددات السلوك وأنها لب الثقافة الإنسانية، كما أن مفهوم المرغوب فيه هم حجر الزاوية في تحديد مفهوم القيم، ذلك أن القيم هي التي تحدد لنا ما هو مرغوب فيه ومرغوب عنه، وأنها مستويات قيمية نحكم من خلالها على كل ما حولنا من مكونات الثقافة وتوجيه تفضيلاتنا الاجتماعية 1

ويعرف إميل دور كايم E. Durkheim: القيم بأنها إحدى آليات الضبط الاجتماعي المستقلة عن ذوات الأفراد الخارجة عن تجسداتهم الفردية“.

وتعرفها الدكتورة نوال محمد عمر بقولها: “هي فكرة تعتنقها جماعات من الناس أو رأي، سواء أكانت هذه الأفكار هدفا في حد ذاتها أم مجرد تعبير عن السلوك، فهي قادرة على أن تجعل الفرد يفضل موقفا على آخر، ويسلك سلوكا يتفق مع هذه القيم التي تقبلها الجماعة، وإن الانحراف عن هذه القيم يشعر الفرد بالذنب سواء أكانت سيئة أم مرغوبا فيها، خيّرة أو شريرة 2.

أما الدكتورة فوزية دياب فإنها ترى القيمة الحكم الذي يصدره الإنسان على شيء ما، مهتديا بمجموعة المبادئ والمعايير التي وضعها المجتمع الذي يعيش فيه والذي يحدد المرغوب فيه والمرغوب عنه من السلوك3. بمعنى أن القيمة هي الحكم على الأشياء بالامتياز مثلا أو التفضيل.

ويعرّفها أحمد زكي بدوي بأنها: أحكام مكتسبة من الظروف الاجتماعية، يتشرّبها الفرد ويحكم بها وتحدد مجالات تفكيره وتحدد سلوكه وتؤثر في تعلّمه فقد ربط بين القيمة والتنشئة والتي قد تنعكس على الفرد سلبا أو إيجابا من خلال التوجه والسلوك.

وعموما فإن القيم عند علماء الاجتماع يمكن تعريفها بأنها أحكام يرتضيها ويرغب فيها الجماعة حسب معاييرهم، فالإنسان مقيد بمعايير المجتمع وأحكامه التقويمية فيتشربها ويتمثلها.

ولقد ذكر بارسونر وغيره من علماء الاجتماع أن القيمة تتكون من ثلاث مكونات:

  1. المكون العقلي: المعرفي

  2. المكون الوجداني: النفسي

  3. المكون السلوكي: الأخلاق والفعل

فهذه العناصر الثلاثة متداخلة ومتفاعلة فيما بينها بتأثير المجتمع والتفاعل الاجتماعي وتعكس ثقافته وتعبر عن طبيعة العلاقات الاجتماعيةالسائدة 4. فوجود القيم داخل المجتمع لا بد منه لأن كل مجتمع له ثقافته وهذه الثقافة لديها قيم معينة، فيكتسبها الفرد تدريجيا من خلال تنشئته الاجتماعية ويتمثلها وبذلك فإن القيم تعمل على تماسك المجتمع واستمراره.

مفهوم القيمة أخذ خمس اتجاهات عند عماء الاجتماع لتوضيح القيم:

  1. من خلال المثل العليا المجردة في المجتمع الإنساني

  2. توضيح المفهوم عن طريق الأغراض والمصالح والاتجاهات والأهداف

  3. من خلال بعض الحاجات الفطرية والحيوية واعتبار أن القيم عملية تقدير يقوم بها الإنسان لاشباع حاجاته ورغباته.

  4. من خلال البناء الاجتماعي والثقافي للمجتمع ككل والأفعال التي يقرها المجتمع

  5. من خلال الثقافة بأنماطها وأطرها المختلفة.

ويبقى المصدر الرئيسي لغرس القيم في الطفل هو التنشئة الاجتماعية منذ بداية حياته ومنذ نعومة اظافره والتي تتمثل في الأسرة والمدرسة، ففي الأسرة يخضع الطفل لسلطة والديه ويكسب القيم من خلال تقليدهما ووعظهما وتلقينهما له، أما المدرسة فهي مكملة لدور الأسرة تساعد في عملييات التنشئة بالتعليم والتثقيف وغرس القيم في الأفراد فهي بمثابة الرفيق الصامت الذي يغرس القيم ويوجه السلوك والاختيار منذ الصغر، فمثلا عندما يرى الابن والده وهو يتصدق على الفقراء يتعلم قيمة الإحسان والإهتمام بالآخر، أما إذا كان والده يتجاهل الفقير ولا يحسن إليه، فإنه حينها يعلمه قيمة مضادة دون أن يشعر بذلك، ومن ثم يتربى الفرد على قيمة معينة.

فالإنسان يمر في عملية التنشئة الاجتماعية بدوائر متتابعة، دائرة الأسرة، دائرة الشارع، دائرة الجيران، دائرة النظام التعليمي، دائرة الحياة العامة، حيث تنمو معه القيم التي تربى عليها منذ الصغر وتجذب القيم المتجانسة معها أو المناظرة لها 5.

تهدف التنشئة الاجتماعية عموما إلى تحويل الإنسان من كائن بيولوجي الى كائن اجتماعي وتكييفه لاكتساب قيم ومعايير وسلوكات ومهارات تؤهله للعيش في ظل الجماعة التي ينتمي إليها بكل ما تتميز به من مقومات وخصوصيات سوسيو ثقافية محددة6

يرى الدكتور نجيب موسى معوض أن التنشئة الإجتماعية هي التي تهدف إلى إكساب الفرد أنماط السلوك السائدة في المجتمع بحيث يتمثل القيم والمعايير التي يتبناها المجتمع وتصبح قيما ومعايير خاصة به ويسلك أساليب تتسق معها بما يحقق له المزيد من التوافق النفسي والتكيف الإجتماعي7

وهي في نظر نيو كومبnowcomb” عملية نمو وارتقاء اجتماعي، يتطور في ظلها الأداء السلوكي للفرد من الطابع السلبي المجرد الى الطابع الايجابي الموجه في المواقف الاجتماعية المتباينة التي يمر بها منذ طفولته، وفقا لما يكتسبه من خبرات وتجارب سارة أو مؤلمة أثناء تفاعله مع المحيطين به في البيئة التي يحيا في ظلها فالتنشئة الاجتماعية إذن حسب المنظور الاجتماعي هي التي تربي الأفراد على أدوارهم المستقبلية ليكونوا فاعلين في المجتمع وتلقينهم القيم الاجتماعية والعادات والتقاليد داخل المجتمع.

هوامش

1الاتجاهات المعاصرة في دراسة القيم ص 42.

2نوال محمد عمر، دور الإعلام الديني في تغيير بعض قيم الأسر الريفية والحضارية: ص: 168.

3فوزية دياب القيم والعادات الاجتماعية: ص: 52.

4البناء القيمي وعلاقته بالتنشئة الإجتماعية ص 16.

5القيم في الظاهرة الاجتماعية ص 332.

6عبد الكريم غريب مستجدات التربية والتعليمص 386.

7 مقالة حول التنشئة الاجتماعية وأساليب المعاملة الوالدية(2)، شبكة الألوكة.

 

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons