المطلب الثالث: “المقاربة السيكو بيداغوجية”

ينتمي هذا المصطلح إلى حقل علوم التربية لأنه من المعلوم أن علوم التربية هي مجموعة مقاربات العلوم الإنسانية التي اشتغلت على الظاهرة التربوي، كالسوسيولوجيا والسيكولوجيا والفلسفة …

ولتحليل معنى هذا المصطلح (السيكو بيداغوجية) لا بد من الوقوف على شقيه وهما كلمتان من حقلين دلاليين يجتمعان ويفترقان:

الشق الأول السيكولوجيا“:

وهو مصطلح ينحدر من اللغة اليونانية القديمة ويتكون من كلمتين هما: “سيكوبمعنى النفس لوجيبمعنى العلم وأول من استعمله الفيلسوف (جزكلينوس) وهو أستاذ الفلسفة بجامعة ماربورغ (1950).

ويعرف علم النفس بتعريفات متعددة تختلف باختلاف مدارسه وعلمائه، وعموما يعرفبأنه الدراسة العلمية لسلوك الكائن الحي بهدف فهم هذا السلوك وضبطه والتحكم فيه والتنبؤ بمستقبله“.

ويقصد بالدراسة العلمية:”تطبيق الأساليب والإجراءات العلمية التجريبية في الدراسة“.

ويقصد بالضبط والتحكم: تعديل السلوك ويقصد بالضبط والتحكم: تعديل السلوك الإيجابي عن طريق معرفة أسباب السلوك

ويقصد بالسلوك: الأنشطة المادية والنفسية التي يقوم بها الكائن الحي خلال تفاعله مع البيئة المحيطة من أجل التكيف، أي كل ما يقوم به الإنسان من أقوال وأفعال ظاهرة، شعورية أو لا شعورية بل وكل ما يطرأ عليه من تغير او تطوير مادي أو معنوي يعتبر نمطا من أنماط السلوك.

ويقصد بالبيئة: ما يحيط بالكائن الحي من أشياء واحياء وتنقسم إلى بيئة خارجية مادية وبئة داخلية شعورية لدى الإنسان وهي النزوعات والرغبات والاحتياجات النفسية والوجدانية، ثم تتشعب البيئة الخارجية إلى بيئات جزئية متعددة مثل البيئة الجغرافية، والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

التكيف: وهو الملاءمة والتوافق بين الكائن الحي ومكونات البيئة المحيطة وذلك بغية تحقيق حفظ التوازن وبقاء الكائن الحي واستمراره.1

والتوافق: هو الملاءمة بين الظروف الاجتماعية والمشاعر النفسية للكائن الحي لأن عملية النمو تهدف إلى تكيف وتوافق الكائن الحي مع مكونات البيئة المحيطة وذلك بغية التوازن وبقاء الكائن الحي واستثماره. وينقسم علم النفس إلى فرعين فرع نظري وفرع تطبيقي:

الفرع النظري: وهو دراسة سلوك الأفراد دراسة نظرية تصاغ من خلالها نظريات علم النفس (الأنا، الشعور، الشخصية، الذكاء)

الفرع التطبيقي: هو تطبيق تلك النظريات على فئات خاصة أو ظواهر سلوكية معينة وينقسم هدا الفرع بدوره إلى عدة مجالات:

page 10

مجالات الفرع التطبيقي

الصناعي العسكري النمو المعرفي التربوي

وما يهمنا في هذا في هذا البحث التربوي هو الشق المعرفي والتربوي والنمو، كمصطلحات مهمة في الحقل االتعليمي التعلمي، لأن التربية كما أشار (lalande .A,1992)”هي صيرورة تستهدف النمو والاكتمال التدريجيين لوظيفة من الوظائف عن طريق الممارسة، وتنتج هذه الصيرورة إما عن الفعل الممارس من طرف الآخر وإما عن الفعل الذي يمارسه الشخص على ذاته وبمعنى أكثر تحديدا التي يدرب خلالها الراشدون الصغار من نفس نوعهم ويسهلون لديهم نمو بعض الاتجاهات والعوائد.

ويعتبر علم النفس النمو وعلم النفس المعرفي من أهم المجلات المعتمدة في الدراسات التربوية والتعليمية ولا سيما علم النفس النمو الذي يعرف بأنه الدراسة العلمية لظاهرة النمو ومحاولة تفسيرها من حيث أصولها ونشأتها ومساراتها وطبيعة تطورها وأثرها ونتائجها والعوامل التي قد تعيق أو تعطل مسيرتها بهدف فهم ومعرفة التغيرات التي تحدث على تلك الظاهرة ومحاولة ضبطها وتوجيهها والتنبؤ بها مستقبلا. ويقصد بالنمو تلك العمليات المتتابعة المنتظمة التي تحدث للفرد عبر حياته منذ لحظة الإخصاب حتى الممات.2

الشق الثاني وهي كلمة البيداغوجيا“:3من الزاوية الإيتيمولوجية أو من زاوية الاشتقاق اللفظي:

البيداغوجيا هي مصطلح يوناني مكون من شقين:

بيدا: وتعني الطفل أو المتعلم الذي يذهب إلى المدرسة للتعلم.

غوجيا:وتعني العبد أو الخادم الذي كان يقود الطفل إلى المدرسة.

وبهذا الاشتقاق اللغوي تكون البيداغوجيا هي المعرفة التي تهتم بقيادة المتعلم في مسار التعلم والاكتساب.

ويقصد بها بشكل عام نمطا من التفكير والفهم لوقائع أو ظواهر التعليم والتعلم دون الأخذ بعين الاعتبار المحتوى أو المادة التعليمية، فالبيداغوجيا تهتم بفهم الأبعاد العامة أو الأفقية للوضعيات التعليمية والتعلمية المرتبطة بالعلاقات بين المعلمين والمتعلمين، والعلاقات بين المتعلمين أنفسهم وبمختلف أشكال السلطة والتواصل داخل جماعة الفصل أو جماعة التعلم، كما تهتم البيداغوجيا أيضا باختيارات طرق العمل والتدريس والعدد والوسائل والمناهج والمقاربات والتقنيات والتقويم ومختلف العناصر المتدخلة بشكل مباشر أو غير مباشر في وضعيات التعليم والتعلم .

ويمكن تناول البيداغوجيا من ثلاثة منظورات:

البعد النظري الأول: لا يمكن تحليل الممارسات التربوية إلا تبعا لنموذج نظري يسمح لنا بتحليل الممارسات التربوية من خلال تطبيق مقولات ومفاهيم وخطاطات نظرية عليها.

البعد النظري الثاني: البيداغوجيا التطبيقية: وغايتها تحليل وتفسير الممارسات التربوية التي يقوم بها الفاعلون التربويون في وضعيات فعلية للتعليم والتعلم، وهذا النوع من البيداغوجيا يأخذ

بعين الاعتبار البعد الأول النظري بمعنى أنه لا يمكن تحليل الممارسات التربوية إلا تبعا لنموذج نظري يسمح لنا بتحليل الممارسات التربوية من خلال تطبيق مقولات ومفاهيم وخطاطات نظرية عليها.

المنظور الثالث البيداغوجيا التدخلية أو الاقتراحية: لأن البيداغوجيا تأخذ على عاتقها مهمة توجيه الفاعلين التربويين نحو الاختيارات التعليمية الفعالة بمعنى انها تقترح عليهم نماذج نظرية فعالة وعملية على شكل مقاربات وقواعد ومناهج معينة مثل مقاربة الكفايات او مقاربة الأهداف أو مقاربة الإدماج …..الفوارق، بيداغوجيا الخطأ …..أو غيرها من النماذج والمقاربات التي تقترحها البيداغوجيا.

بعد أن عرفنا أطراف كلمة سيكوبيداغوجيا وعلمنا أن:

سيكو تعني علم النفس، وركزنا بالضبط على فرع على علم النفس النمو أو علم النفس التربوي وعلم النفس المعرفي.

ورأينا أن كلمة “بيداغوجيا نقصد بها فن قيادة الطفل أو المقاربات النظرية والتطبيقية والاقتراحية لتجويد سيرورة العملية التربوية التعليمية.

نصل في النهاية إلى القول بأن “السيكو بيداغوجيا هي كل ممارسة تربوية أو تعليمية مبنية على قوانين سيكولوجية، أي مبنية على رؤية نفسية، فبدلا من المفهوم التقليدي المتمركز حول المحتوى الدراسي والقائم على نقل المعارف الجامدة من المدرس إلى المتعلم، ومطالبته باسترجاع ما استوعب من معلومات، يأتي التصور المبني على السيكو بيداغوجيا بمفهوم جديد يتمحور حول المتعلم، ويجعل العملية التعليمية التعلمية، عملية حية قائمة على معالجة المعرفة البشرية المتراكمة، معالجة وظيفية، وذلك لأجل مواجهة الظواهر المعرفية والاجتماعية مواجهة مباشرة، وإثارة الأسئلة التي تسعى إلى حلها.

هوامش

1علم النفس وقضايا العصر ، تأليف د . فرج عبد القادر طه ، طبعة 1988، دار المعارف ص16 و 18 و 19 و 20.

2المفيد في علوم التربية لمحمد الصدوقي ص 3 و 4 ، بتصرف.

 

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons