المبحث الثاني:المقاربات والنظريات التي اشتغلت على موضوع التربية على القيم

المطلب الاول: المقاربات النفسية والنمائية

رغم أهمية موضوع القيم فقد تأخر الاهتمام به من طرف علماء النفس بوجه عام والقيم الاجتماعية بوجه خاص، فكانت القيم في بداية الامر مرتبطة بالمجالات العلمية الأخرى كالفلسفة والاقتصاد والدين وعلم الاجتماع .

ومع إطلالة الثلاثينيات بدأ الاهتمام بموضوع القيم في علم النفس (السيكولوجية) حيث تركزت دراسة القيم حول الفروق الفردية في القيم وكذلك القيم في علاقتها بالقدرات المعرفية للفرد واكتساب القيم وارتقائها عبر مراحل العمر المختلفة، لقد تأخر الاهتمام بدراستها بوجه عام وارتقائها وتغيرها عبر العمر بوجه خاص، وربما يرجع ذلك إلى عدة أسباب منها اعتقاد الكثير من الباحثين والدارسين النفسيين بأنها تقع خارج نطاق البحوث الأمبريقية (الفلسفة التجريبية) وأنه من الصعب قياسها وتحديد أبعادها وعلاقتها بغيرها من المتغيرات، وتعد فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الحالي بداية الاهتمام بدراسة سيكولوجية القيم الإنسانية، حيث الالتزام بالمنهج العلمي ، وتركز هذا الاهتمام على عدد من المجالات أهمها دراسة القيم في علاقتها ببعض المتغيرات الشخصية (كالجنس والديانة والتخصص الدراسي الخ) وكذلك في علاقتها بالقدرات المعرفية وارتقاء القيم وتغيرها عبر العمر باعتبار أن العمر من المتغيرات المهمة المسؤولة عن أحداث تغيرات في قيم الأفراد1

ويرجع الفضل في ذلك إلى عالمين من علماء النفس هما ” العالم الأمريكي ثرستونTHURSTONE والمفكر الألماني شبرانجرSPRANGER” فهما أول من تطرقا لهذا الموضوع، حيث ” قدم ثرستون تصورا لمعالجة القيم في إطار المنهج العلمي مستندا في ذلك إلى مبادئ السيكوفيزيقا المعاصرة (علم النفس التجريبي)، أما شبرانجر فقد نشر خلال هذه الفترة نظريته في أنماط الشخصية والتي خلص منها إلى أن الناس يتوزعون بين ستة أنماط، استنادا إلى غلبة أو سيادة واحدة من القيم التالية عليهم: القيمة النظرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والجمالية والدينية”.

وقد استمر اهتمام علم النفس بدراسة موضوع القيم يتزايد تدريجيا خاصة علم النفس الإجتماعي باعتبارها محددا ايديولوجيا للمجتمع لأنها انعكاس للأسلوب الفكري والسلوكي للأشخاص في ثقافة معينة وزمن معين.

ويعتبر عبد اللطيف محمد خليفة في دراسة نفسية من خلال كتابه “ارتقاء القيم” أن علماء النفس لم يهتموا كثيرا بموضوع القيم بخلاف مواضيع أخرى يقول: [ على الرغم مما أولى من اهتمام بدراسة موضوع القيم فإنه اهتمام ضئيل مقارنة بالموضوعات الأخرى التي تقع في نطاق اهتمام علم النفس الاجتماعي، فقد تركز اهتمام الدارسين في المجال على النظرية والقياس في مجال الإتجاهاتATTITUDS ” ويؤيد ذلك ما كشف عنه ميلتون روكيشM.Rokeach” في مسح أجراه لمجلة الملخصات السيكولوجيةفي الفترة من سنة 1961 إلى سنة 1965، وانتهى منه إلى أن هناك خمس أو ست دراسات للإتجاه مقابل دراسة واحدة للقيم، وأرجع ذلك إلى الإيمان العميق لدى الكثير من الباحثين بأن اتجاهات الفرد أكثر أهمية في تحديد سلوكه الاجتماعي من القيم، كما تصور بعضهم أن الاتجاهات أكثر قابلية للتغيير من القيم]2.

لقد ربط علماء النفس القيم ببعض المفاهيم كالاتجاهات والحاجات، فيرى بعض العلماء أمثال “ماسلو” أن مفهوم القيمة مكافئ لمفهوم الحاجة كما تصور بعضهم الآخر القيمة على أن لها أساسا بيولوجيا، فهي تقوم على الحاجات الأساسية، فلا يمكن أن توجد قيمة لدى الفرد إلا إذا كان لديه حاجة معينة، يسعى لتحقيقها أو إشباعها، فالحاجات الأساسية هي التي تؤسسالكائن بيولوجيا، وتحدد له نسق اختياراته، فهي بمثابة قيم بيولوجية أولية، تتحول فيما بعد ومع نمو الفرد إلى قيم اجتماعية.

ومن أبرز المفكرين والباحثين الذين حاولوا ربط مفهوم القيم بمفهوم الاتجاه،”باركوبيرجس (park et burgees)” و”هواردبيكر(H. begker)” و”رلفلينتون” (R. Linton) .

ومن أصحاب هذا الاتجاه أيضا “)البورتوفرنونallport et vernon))” إذ اعتبرا القيم

اهتمامات وغايات معينة حيال أشياء أو مواقف أو أشخاص3” .

وهناك من علماء النفس من ربطها بمفاهيم أخرى مثل:

القيم والدوافع:

كما يختلط مفهوم القيم بمفهوم الدوافع باعتبار أنها جزء من مفهوم أوسع هو الدوافع، فالدافع إلى الإنجاز هو ذاته قيمة الإنجاز ويعبر هذا الخلط أيضاً عندما تؤثر القيم في سلوك الفرد وتؤدي إلى دفعه لاختيار بديل فهي في هذه الحالة تعتبر دافع فالقيمة إذا هي المكافئ للدافع.

القيم والسمات:

يصنف بعض علماء النفس القيم باعتبارها سمات شخصية فالقيم من المحددات التي تميز الأشخاص إلا أنه يمكن التمييز بين السمة والقيمة من حيث القابلية للتغير ففي حين أن القيمة تتغير بسهولة عندما تتوافر شروط ذلك فإن السمة أدوم وألصق بالشخص وتستمر لفترات طويلة وهي تتغير ببطء شديد.

ويرى ثورندايكthearndikأن القيم تفضيلات وأن القيمة الإيجابية منها والسلبية تكمن في اللذة أو الألم الذي يشعر بهما الإنسان.

ويركز علماء النفس على قيم الفرد باعتباره ركيزة الدراسات النفسية من حيث اهتمامها، وقد قام “وليام دوكسي w.dukes” سنة 1955 بعمل مسح للثراث السيكولوجي الخاص بالقيم وصنفه إلى ثلاث فئات رئيسية هي4:

فئة اهتمت بقياس قيم الجماعات وربط نتائج هذا القياس بمجموعة من المتغيرات كالسن والنوع والقدرات النفسية والسمات المزاجية.

فئة اهتمت بأصل القيم وتطورها داخل البناء السيكولوجي للفرد.

فئة اهتمت بتأثير قيم الفرد على حياته المعرفية.

هوامش

1 ارتقاء القيم دراسة نفسية د . عبد اللطيف محمد خليفة

2المرجع السابق ص 15.

3رسال حول القيم الشخصية لنيل درجة الماجيستير في علم النفس التربوي لكريمة احمد حسن حميدي الراشد يإشراف الأستاذ الدكتور عدنان محمود المهداوي ص (27 …29)

4البناءالقيميوعلاقتهبالتنشئةالاجتماعية والدافعية للإنجاز رسالة دوكتوراه ل ابراهيم السيد أحمد السيد ص 17 و18.

 

 

 

 

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons